رحلة طويلة وشاقة، أمضاها العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، وهو يجتهد لتطوير الفكر السياسي والفقهي الاسلامي عموماً والشيعي على وجه الخصوص. سحابة اكثر من نصف قرن، ظل سليل بيت العلم والعلماء يجتهد ليكون علامة مضيئة ووضاءة في مجال "عصرنة" الشريعة وجعلها مستساغة من الاجيال الشابة الضاجة بالحياة، تحاكي
همومهم وتطلعاتهم وهواجسهم في زمن متحول متحرك. وقد نجح فعلاً في هذه المهنة الكبرى والصعبة التي تنكّبها حتى بات التشريع قبله شيئاً، وبعده شيئاً اخر، فكان بحق مفتي الشباب ومرشدهم والمرجع الذي لا يبادر الى قمع احلامهم بل ليستبسط لها الاحكام حتى وان كانت تخالف المألوف وتجافي احياناً المعروف. لم يترك باباً من ابواب الفكر والمعرفة الا طرقه بقبضة قوية لا يخشى لومة لائم، فمن الفكر الى الفلسفة الى السياسة الى التاريخ الى الشعر، ضرب في كل ميدان منها بسهم وأصاب. كان عدواً للجمود ورافضاً للتقليد بمعناه الحجري، راغباً في اخضاع كل الافكار للنقاش والجدال واعادة النظر، اذ ان همه كان الانسان قبل النواميس، وهاجسه الحقيقة الجامعة. هو بحق ابن حوزة النجف، ايام كان مرجلها يغلي ويفور بأفكار تنويرية تطويرية تحديثية، يوم كانت تلك المدرسة الضاربة في العراقة التي جاوز عمرها الالف عام والمجتمعة حول ضريح يعسوب المذهب الشيعي ورمزه، تضم بين جنباتها كوكبة من كبار العلماء التي قلما يجود الزمن بمثلهم في مكان واحد، امثال المرجع المحبر والسيد محمد باقر الصدر، والمرجع السيد ابو القاسم الخوئي، والمرجع السيد محسن الحكيم واترابه وزملائه كبار امثال المرجع الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والسيد محسن الاصفي، والسيد محمد باقرالحكيم ، السيد مهدي الحكيم، والسيد محمد العسكري والعشرات سواهم من النخب . وفي عقدي الخمسينات وبداية الستينات تماهى السيد فضل الله مع ذلك المناخ الواعد، وتلك النهضة الفكرية والثقافية التي كانت نتاج زمن التحولات والقضايا الكبرى على امتداد العالمين العربي والاسلامي، كقضية فلسطين التي هزت الوجدان الاسلامي من أعماقه، وقضية الانسان المسلم القلق على مصيره والباحث عن مكان له تحت الشمس. في ذلك الرحم الفكري وُلد السيد فضل الله ونما، ووضع نصب عينيه مهمة تربية انسان قادر على المواجهة، ومواجهة التخلف والجمود وما نجم عنهما من عصبيات ومذهبيات ضيقة تهوى التصارع في ما بينها، ويحاول واحدها الغاء الآخر بدل البحث عن السبل التي ترفع من شأن الانسان وتنتشله من حدة التخلف. وعليه كان من أول الذين اهتدوا ونظروا لمصطلح اسمه "الاسلام الحركي" ولمقولة اسمها "اسلام العصر" المتفلت من قيود التخلف والخارج من دوار الانتظار والتواكل. وعلى "نية" الراغب في تنكب هذه المهمة الشاقة، كان السيد فضل الله من أول الذين انخرطوا في تجربة سياسية وحركية كانت يومها قمة في التطور، هي تجربة الاسلام السياسي المؤدلج في اطر حزبية مهمتها الاولى تطوير الاوضاع والنظم السياسية، على ان يكون ديدنها وهمها اعادة تنشئة وتربية الانسان القادر على تأدية هذه الرسالة. كان الحلم حينها رحباً متسعاً اتساع الاركان المسكونة ومنفتحاً على اربع رياح الارض، وممتداً ليطاول الانسان الذي اوصى به الله جل شأنه، وجعله خليفته في الارض واوصى كل اصحاب الرسالات بالعناية به، والعمل على اسعاده وملء الارض قسطاً وعدلاً لا ظلماً ولا جوراً. كان الفكر الشيعي يومها بالكاد يخرج من جمود دائرة الانتظار التي وضع نفسه فيها منذ الغيبة الكبرى للامام المنتظر، كان هذا الفكر قد وجد لنفسه حيزاً آخر، يضع فيه على عاتقه مهمة تحضير المناخات وتهيئة الارضية لظهور المنتظر الموعود. لذا انوجد في حينها، في ذاك المحيط من يسعى الى تطوير "الاصول" وترقية الدراسة الحوزوية واعتاقها من جمودها، وانوجد ايضاً من يصالح بين الحوزة والسياسة، ويبدد البون الشاسع بينهما. في تلك الحقبة انتمى السيد فضل الله كما ذكرنا مراراً الى تجربة فريدة ونادرة هي تجربة حزب الدعوة الاسلامية، الذي اراد ان يحاكي امرين، الاول تجربة "الاخوان المسلمين" على امتداد العالم الاسلامي السني، وتمدد الفكر القومي والشيوعي المتمدد في عقول الناشئة، وفي السلطات مشكلاً التحدي. في ذلك الحين، أطلق السيد محمد باقر الصدر نظريته المتكاملة في الفلسفة والسياسة والاقتصاد والموزعة في كتابين يعدان بمثابة "المانيفستو" الاسلامي هما كتابا "فلسفتنا" و"اقتصادنا" واللذان لا يزالان حتى بعد مرور اكثر من خمسة عقود على وضعهما يعدان المرجع الاشمل لكل الاسلام السياسي الحركي، ومزوداً الزاد الفكري المتألق والحديث، ومشحوناً بهمة عالية، تحدوه الرغبة في الا يكون رجل دين تقليدياً يؤدي الواجبات ويقيم المراسم ويهدي ويذكر فقط. عاد السيد فضل الله الى لبنان عام 1966، بعدما ولد في النجف وتعلم فيها الى ان حصل على الشهادة العالمية العالية. وحطّ الرحال اولاً في بنت جبيل بلدة امه، وشقيقها النجم السياسي البارز والنائب والوزير السابق مدى اعوام علي بزي، لكنه لم يلبث فيها الا بعض الوقت، فغادرها الى منطقة النبعة في ضواحي العاصمة، حيث كانت تقيم شريحة واسعة من ابناء بلدته والعامليين عموماً. هناك في رحاب مسجد ومركز ثقافي اسس على ارضها، بدأ رحلته الفكرية والسياسية والثقافية الطويلة التي توالت عطاء واينعت ابداعاً متطوراً مستحدثاً مثيراً للجدال والسجال. اراد ان يكون نسج وحده، فابتدأ اولاً بإنشاء "أسرة التآخي" التي تعدت كونها حلقة تذاكر وارشاد على غرار فعل العلماء، الى ان تكون نواة لحراك سياسي متميز ولمشروع فكري فقهي يتعدى المألوف. في تلك الحلقة سمع مئات الشبان الملتحقين بها دروساً وافكاراً لم تطرق اذهانهم ولم تخطر على بالهم من قبل، وتشبعوا برؤى مختلفة ومتميزة صيرتهم لاحقاً نواة جيل سياسي فعل فعله في مجتمعه. ولا بد من الاشارة الى ان من بين الذين ترددوا على تلك الحلقة الدراسية كان الفتى آنذاك السيد حسن نصر الله الآتي من بلدة البازورية الى كمب شرشبوك، حي الفقراء الملاصق للنبعة، على عشرات آخرين. ولم تطل التجربة، فالحرب الاهلية التي اندلعت شرارتها عام 1975، هجرت السيد فضل الله الى الضاحية الجنوبية، وبالتحديد الى حي الغبيري، حيث استكمل المهمة ولكن هذه المرة عبر اطار نخبوي اوسع هو "اتحاد الطلبة المسلمين" ركز فيه على الطلاب الذين كانوا في المراحل الثانوية. ولم يعد خافياً ان هذا الاتحاد الذي امتلك مقراً ومكتبة ومجلة بحثية ونشاطاً مميزاً وفاعلاً، صار لاحقاً الرافد الابرز لتجربة "حزب الله" التي اكتمل عقد ولادتها وظهورها الى العلن، بعيد الاجتياح الاسرائيلي للبنان صيف 1982. بين عام 1975 و1977، وهو تاريخ وصول فضل الله الى الضاحية وبين انتصار الثورة الاسلامية في ايران عام 1980 مسافة زمنية قصيرة، لكن السيد فضل الله كان من اول الذين اعلنوا تواصلهم مع تلك الثورة، واتصالهم بها وانتماءهم اليها حتى عندما كانت لا تزال في بداياتها، تحركها الاشرطة المسجلة التي يرسلها رائدها السيد الخوئي من النجف اولا ثم من بغداد. والولاء لهذه الثورة لم يكن سياسياً، بل فكرياً، اذ تبنى السيد فضل الله فكرة الدولة الاسلامية التي يمكن ان تقام حتى قبيل ظهور المهدي، وان لم يبد حماسة كبرى لفكرة الولي الفقيه، ونظر لفكرة اخرى اسمها "شورى الفقهاء". وعلى رغم ذلك، طوال الفترة الممتدة من عام 1980 حتى مطلع عقد التسعينات صار السيد فضل الله المدافع العنيد عن الثورة الاسلامية في ايران، والمرشد الروحي لـ"حزب الله"، والخطيب الابرز في كل مهرجاناته واحتفالاته، والناطق بلسانه في كل المقابلات الاعلامية ولا سيما مع الصحافة الاجنبية. لكن الوضع اختلف والسبل تفرقت بين السيد فضل الله من جهة، وطهران و"حزب الله" من جهة اخرى. المعلن من اسباب هذا الافتراق المفاجئ اكثر من ان تحصى، لكن ابرزها على قول العارفين ان العلامة السيد فضل الله شعر بأن هذا اللقب ضاق به، وانه بات دون طموحه، في ان يصير هو مرجعاً ومجتهداً على مستوى العالم الشيعي كله، وليس على مستوى شريحة منه. لذا، ومع وفاة المرجع الشيعي الاعلى في النجف السيد ابو القاسم الخوئي عام 1993 بادر السيد فضل الله الى اشهار مرجعيته وبث رسالته العلمية لزوم تلك المرجعية وعدتها الاساس. منذ ذلك التاريخ، ارسل السيد فضل الله الى وسائل الاعلام المحلية والخارجية طالباً منهم الكف عن استخدام مصطلح "مرشد "حزب الله". ولم يعد مجهولاً ان تبني العلامة فضل الله لهذه الرؤى، وايمانه الكبير بالمقاومة الاسلامية وبالجمهورية الاسلامية الايرانية الوليدة آنذاك والداخلة في حروب دائرية مع الغرب والشرق، قد جعلاه هدفاً كبيراً على مرمى الدوائر والقوى والعواصم التي ناصبت ايران وامتداداتها العداء المطلق. وعليه، يذكر الجميع أن المرجع فضل الله كان قاب قوسين او ادنى من موت محتم عندما استهدفته سيارة مفخخة عام 1985 في محلة بئر العبد. ونجا يومها بأعجوبة ولكن سقط اكثر من 150 قتيلاً، و200 جريح ضحايا العمل الاجرامي الذي اتضح لاحقاً، وفق وثائق واعترافات ان اجهزة مخابرات عدة اميركية وعربية ومحلية شاركت في الاعداد له. ولم يعد خافياً ايضاً ان تشبثه بالدفاع عن المقاومة وايران جعله ايضاً يقف على خط التناقض والمواجهة مع قوى في داخل الطائفة الشيعية، خصوصاً عندما اندلعت معارك بين حركة "امل" و"حزب الله" في النصف الثاني من عقد الثمانينات. ولم يكن الافتراق بين الحزب والسيد فضل الله حبياً، اذ نشأت على هامشه مساجلات فقهية وفكرية ابرزها قضية "ضلع الزهراء" التي اتت على شكل كتب صدرت ضد السيد فضل الله لتشكك بعلمه ومرجعيته، ولا سيما بعد محاضرة له رفض فيها مقولة تعتبر من معتقدات الشيعة، وهي ان السيدة الزهراء (ابنة النبي محمد وزوج الامام علي) تعرضت لهجوم على منزلها من بعض الصحابة ادى الى كسر احد اضلاعها. في كل الاحوال لم تنطو صفحة هذا الخلاف الا قبل اعوام قليلة، على اساس ان يمضي السيد فضل الله قدماً في مرجعيته المستقلة والمؤسسات التابعة لها، على ان يمضي هو قدماً في الدفاع عن المقاومة الاسلامية وعن ايران. وتوافرت للسيد فضل الله الكثير من المقومات والمعطيات التي حفزته على الانعتاق من حدود العلاقة الحصرية بإيران و"حزب الله" والقوى الحليفة لهما، وبالتالي السعي الى ان تكون له مرجعية على نطاق كل العالم الاسلامي. فخلال مدة لا تتعدى العقد من السنين كانت ظلال شهرة السيد الفكرية والفقهية قد امتدت الى العديد من الساحات، ولا سيما اطلاقه حزمة من الرؤى والافكار العصرية التي عدت ثورية وتطويرية تغييرية بكل معنى الكلمة. وفوق ذلك كله صار السيد فضل الله من مقر اقامته في بئر العبد، موضع ثقة غالبية الشيعة في العالم، يبعثون اليه بخمس اموالهم وتبرعاتهم وزكاتهم، بعدما شاهدوا بأم العين نجاح مشاريعه الرعائية واتساعها في شكل غير مسبوق. والى ذلك كله صار المرجع، ومؤلفاته الغزيرة التي تجاوزت الثمانين مؤلفاً متنوعاً صارت مرجعاً اساسياً لكل راغب برؤية الاسلام العصري المتطور الذي يحاكي كل مشاكل العصر. واجتهاد الرجل ودأبه وسعة افقه، اضافة الى همته العالية وجرأته في المحاججة والمقارعة كلها صفات ومقومات جعلت من مرجعيته، مرجعية مميزة تختلف عمن سبقها، فمعه لم يعد المرجع رجلاً مقطب الجبين محتجباً عن الضوء، لا يطل الا في اوقات ومناسبات نادرة، بل صار مرجعاً يفتح باب بيته وصدره لكل طارق، يبدأ نهاره في الساعة السادسة صباحاً ويستقبل اولاً الشريحة النسائية قبل ان يبدأ حلقات التدريس والمذاكرة (بحوث الخارج)، فأرسى بذلك مرجعية مختلفة مشهوداً لها بالانفتاح والحركة وتقبل كل المرجعيات والاسئلة، فلا خطوط حمراً بالنسبة إليه امام اي تساؤل او سؤال. ولم يكتف السيد فضل الله بحدود لبنان حدوداً لمرجعيته، بل مد جسور العلاقة مع شيعة العراق، يذهب اليهم كل اسبوع، ليلتقيهم في تجمعهم الاكبر بالقرب من مقام السيدة زينب في دمشق، ويعقد واياهم حلقة بحث ودراسة تستمر ساعات وتشارك فيها وفود من مختلف الاقطار العربية وغير العربية. ورغم كونه مرجعية شيعية الا انه كان فعلاً في طروحاته وافكاره رائداً عملياً من رواد الوحدة الاسلامية اذ وجد احتراماً غير مسبوق عند اهل المذاهب الاسلامية الاخرى، وتواصل معهم عبر اكثر من قناة اتصال. كما أرسى قواعد جديدة في المؤسسات الرعائية والخدماتية. المرجع فضل الله علامة فارقة يفتقدها لبنان والعالمين العربي والاسلامي، وسيمر ردح من الزمن قبل ان يجود الزمن بمثل شموليته ورحابة فكره، وسعة صدره وايمانه بالانسان، ورغبته في ان يكون مبذولاً للجميع، وعلى تماس مع كل القوى والنخب. ولعله من اجل ذلك رفض التجاوب مع كل المحاولات والجهود التي بذلت خلال فترات ومحطات متعددة لجعله جزءاً من المشاريع والمؤسسات الطائفية والمذهبية الرسمية. تلك بعض من محطات سيرة عالم كبير رفض الالتحاق بالمشاريع الصغيرة، فتحقق حلمه في ارث فكري ضخم ومسيرة جهادية وسياسية قلّ نظيرها، وهي زاده للآخرة والتراث الذي سيخلده كلما ذكر الاجتهاد والتجديد والريادة.
الرئيس الجميل: من موقعه تصدى الرئيس الراحل لكل محاولات تعطيل الحياة التشريعية والنيابية في لبنان طوال مرحلة الحرب حفاظا" على النظام الديمقراطي وتداول السلطة واستمرار المؤسسات الدستورية.